الرئيسية | دائرة المعارف الهندية | ارتباط الهند بالنجف الأشرف

ارتباط الهند بالنجف الأشرف

ارتباط الهند بالنجف الأشرف

 

 

 محمّد سعيد الطريحي رئيس دائرة المعارف الهندية 

(المحاضرة القيت في مؤتمر النجف الاشرف المنعقد في لندن عام 1997م)

تعود صلة العراق بالهند إلى عهود سحيقة في القدم بدأت مع فجر الحضارة في بلاد الرافدين، وهناك رأي شائع في الهند وفي الدراسات التي تتناول تأريخ العنصر الآري في الهند يشير إلى انّ الآريين جاؤوا إلى الهند من العراق وانّ بلاد فارس كانت همزة الوصل بيهما. ومن البواعث الأساسية على هذا الاعتقاد أوجه الشبه القائمة بين الحياة القائمة في العراق مع حضارة (موهنجو دارو) MohenjoDaro التي اكتشفت خرائبها في السند (بپاكستان الحالية) وما وجد فيها من اللقى الأثرية الشبيهة بآثار العراق القديمة، ومن البواعث المهمة الأخرى التشابه بين الاعتقادات الآرية والاعتقادات التي كانت سائدة في العراق.


من اليمين الى اليسار(السيد جعفر الرضوي الشهيد السيد مهدي الحكيم اية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (قد) السيد محمد سعيد الطريحي راجا (الامير) محمود اباد )

الصورة  التقطت امام حوزة ومدرسة الواعظين بمدينة لكنو الهندية عام 1982

وقد عثر في الهند على كتابات قديمة يرجع عهدها إلى 1400 سنة قبل الميلاد وتحتوي على معاهدات عقدت بين ملكين عاشا 1400 سنة قبل الميلاد وهما: سُبي لولياما (Subbi Luliama) ملك الحيتيين (Hittites) ومتى يوازار (Mattiuaza) ملك ميتاني (Mitani) في العراق الشمالية.

وقد ذكرت في الكتابات الآلهة الميتانية وهي تقرأ هكذا: مترا Mitra وفرونا Varuna وإندرا Indra ونساتياس Nasatyas أو أسوويوس Asvius وهذا الآلهة الخمسة مذكورة في الكتاب الهندي المقدس (- Veda Rig) رك ويدا(1)، وهذا يدلل على انّ ملوك العراق الشمالية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد أو قبله كانوا يعبدون الآلهة الويدية، والقبائل التي جاءت بعبادة هذه الآلهة ـ ولعلها جاءت من ايران الشرقية ـ لابد من إنّها كانت تعبدها في موطنها الحقيقي في القرن السادس عشر قبل الميلاد أو نحوه. وقد كانت المدينة الويدية إذ ذاك مزدهرة، وهذا أيضاً

____________

1- (رك ويد) أي العالم الأقدس أول كتب التشريع للآريين وهو عبارة عن مجموعة شعرية تضم مائة ألف بيت من الشعر فيها قصص وتشريع وقد كتب على مراحل واضيف له على مدى قرون أمور كثيرة تتناول ما كان يحتاجه الناس يومذاك.

 


الصفحة 2


 

يدلل على انّ القوم كانوا على صلة بالفرس والعراقيين القدامى وقد تكون هجرة العراقيين إلى الهند هجرة تدريجية تمت على مراحل كانت بلاد فارس احدى مراحلها، وبمرور الزمن ترسخت أقدامها في الهند.

ومن الدلائل الأخرى على تلك الصلة القديمة وجود الألفاظ السنسكريتية ذات الأصل البابلي ومن ذلك كلمة تائيمتا Taimataالتي وردت في اتهرواويدا واصلها في البابلية تائيمة Taimata وعلى الأغلب هي اصل كلمة تميمية (العربية) ومنها كلمة (تائيمتو) وهو اسم لتنين البحر العظيم تمتو Tamtuوترجع إلى الاسطورة البابلية التي تقوم ان ابسو (Apsu) و(تائيمة) وجدا قبل خلق السماوات وكلمة أبسو كذلك كلمة ويدية جاءت مركبة (ابسو كشيت Apsu Kashit) وهي في البابلية بمعنى بحر.

وورد في (اتهرواويدا) كلمتا (ألي جى Aligi) و(وي لاجى Vilagi) وهما اسمان لثعبانين، قيل انهما كلمتان من اللغة الأكدية ولعل كلمة (وي لاجي) اصلها Biligi وهو اسم احد الآلهة الآشورية. وفي (اتهرواويدا) كلمة اخرى هي (تبوواTabuva) اشتقت من (تبو Tabu) لعل معناها كفارة اثم. وقيل في (اتهرواويدا) انّ السم يبطل عمله برقية (تبو) واصل هذه الكلمات لفظة (توبة) السامية الأصل والمتداولة في العربية.



في واجهة الحسينية الاصفية سنة (1985)

وجاء في كتاب (ستاباتها برهماناSata Patha Brahmana) كلمة هيلاوو Helauo وكتب أيضاً هائي لو، ويستخدمها المحاربون للتعبير عن حماسهم عند الحرب واصلها من كلمة هيلاوا أو أيلاوا العراقية القديمة ويظهر منها الإستعانة بالآلهة عند الشدة و (أيلو) الآلهة باللغة الأكدية.

وفي ملحمة (مهابهارتاوانابارا) اشارة إلى عبادة أيدوكاس Edukas بزيارة الأضرحة المسماة (كل جك Kaliyuga) وكلمة أيدوكاس تصحيف لكلمة جلوكا Jaluka أو جروكا Jaruka، وأصل هذه الكلمة مأخوذة من الكلمة البابلية (زيكورت Zigurut) أو الزقورة وهي أصل الكلمة المتداولة الآن (الزيارة). وقد أجمع علماء السنسكريتية على انّ كلمة (ايدوكاس)المذكورة ترادف كلمة (جلوكا) وهي اسم لكل بناية حفظت فيها عظام الموتى.

 


الصفحة 3


 

وقد استعملت في القرنين الخامس والسادس للميلاد عملة هندية باسم (كرشابانا) وكرشا اصلها من (كرشو Karshu) الآشورية ومعناها السكة، ولعلها الأصل للفظة (القرش) المتداولة الآن في بعض البلاد العربية.

ومما يدلل على تلك الصلات القائمة بين (سومر) و(موهنجو دارو) ماوجد من الأختام المتشابهة كما يدل عليها ظهور (الناجا) أي الثعبان ذو الغطاء، بين الآثار التي وجدت في قرية بابلية عيلامية وهي ما يُسمى الآن تل أسمر (بالقرب من بغداد) وكشف عن أختام وخرزات خزفية هي في رأي المكتشف ـ ويوافقه سيرجون مارشال ـ قد جاءتها من موهنجو ـ دارو حوالي سنة 2000 قبل الميلاد.

وبالاعتماد على تلك الاشارات وغيرها يجزم (ماكدونل Macdonell) بانّ هذه المدينة الزاهرة في السند استمدت اصولها من سومر بينما يعتقد (وولي Woolley) انّ الثقافة السومرية والهندوسية القديمة قد جاءتا معاً من اصل مشترك وثقافة مشتركة في بلوجستان أو بالقرب منها، ولقد دهش الباحثون حين رأوا انّ الأختام المتشابهة الموجودة في بابل وفي الهند ترجع إلى اقدم مراحل الثقافة في أرض ما بين النهرين أي إلى المرحلة السابقة لسومر وإلى آخر مرحلة من مراحل المدينة السندية، وهذا ما يوحي بفكرة اخرى حول اساسيات هذا البحث مفادها انّ السومريين انفسهم قد نقلوا ثقافتهم عن الهند كما ان وجود الملامح المتشابهة بين وجوه السومريين وسكان وادي الهند قد يوحي بان السومريين كانوا من الأصل الهندي، ويبرز الاعتقاد هذا في وقت لم تتكشف فيه اصول السومريين الأولى حتّى الآن ويبقى الرد العلمي على كل ما ورد مقروناً بالكشوف الأثرية المستقبلية والدراسات العلمية الكفيلة بالإجابة عن تلك الأسئلة المتحيرة (مَن سبق مَن)؟

وما يهمنا الآن ان تلك الصلات كانت حقيقية ومزدهرة وهو مايدل على ثقافة مشتركة وتجارة متبادلة بين العراق والهند منذ أقدم عصور الحضارة. أما في العصر الإسلامي فقد كانت الصلات مستمرة، ولأهمية الهند بالنسبة للدولة الإسلامية فقد أرسل الإمام علي(عليه السلام) احد قواده في الكوفة من قبيلة عبد القيس

 

 


الصفحة 4


 

لفتح السند وضمها إلى البلاد الإسلامية.

وتبرز العلاقات العراقية ـ الهندية بشكل واضح في العهد العباسي فقد تداول العراقيون كتب الحكمة والحساب الهندي ولا نزال إلى اليوم ننسب أرقامنا إلى الهند فنقول الأرقام الهندية. وكانت في بغداد يومذاك جالية هندية غالبيتها من المنجمين والأطباء، وقد عرفنا عن طريق الجاحظ ان: يحيى بن خالد البرمكي اجتلب اطباء الهند مثل: منكه، وبازيكر، وقلبرقل، وسندباذ، وبهلة الهندي، وهناك مجال واسع لدرس النزاع والمنافسة بين الطب الهندي والطب الآرامي، ثم انّ اللغة الهندية كانت معروفة في بغداد يترجم عنها المترجمون.

قال الجاحظ: "وأما الهند فوجدناهم يُقدَّمون في النجوم والحساب. ولهم الخط الهندي خاصة ويُقدّمون في الطب. ولهم اسرار الطب وعلاج فاحش الأدواء خاصة ولهم خرط التماثيل ونحت الصور بالأصباغ...واشباه ذلك. ولهم الشطرنج وهي اشرف لعبة واكثرها تدبيراً وفطنة، ولهم السيوف القلعية، وهم ألعب الناس بها، ولهم الرقى النافذة في السموم والأوجاع ولهم غناء معجب. ولهم الكنكلة وهي وتر واحد يمر على قرعة فيقوم مقام أوتار العود، والصنج ولهم ضروب الرقض والخفة...ولهم الثقافة عند الثقاف خاصة ولهم معرفة المناصفة، ولهم السحر والتدخين...ولهم شعر كثير وخطب طوال وعنهم اخذ كتاب كليلة ودمنة ولهم رأي ونجدة...".

وكان السنديون من حذّاق الطهاة، ومشهوري صنّاع الأحذية، حتّى غدت النعال السندية مضرب المثل...وقد اتصفوا بالدهاء، والنفوذ في المعاملات والأمانة ممّا جعل أرباب بيوت الصرف يستخدمونهم في اعمالهم، على حد قول الجاحظ: "ومن مخافرهم انّ الصيارفة لا يولّون اكيستهم وبيوت صرفهم إلاّ السند وأولاد السند لأنهم وجدوهم انفذ في امور الصرف واحفظ وآمن..."(1).

أما ارتباط الهند بالنجف فهو يرجع إلى فجر التاريخ حيث كانت السفن تبحر من بحر النجف إلى الهند، أما في العهد الإسلامي فهو يعود إلى خلافة الإمام علي(عليه السلام) وتشيّع عدد من أهل السند بواسطة القائد العبدي الّذي مرّ ذكره وقد بعثه

____________

1- فضل السودان على البيضان، ص: 84 ـ 85.

 


الصفحة 5


 

لإخضاع السند، وقد كان لتلك البذرة ان نمت وترعرعت وانتجت الكثير من القبائل الهندية والسندية والمتشيعة التي تدين بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام) وتتجه صوب النجف الأشرف بقوافل الزائرين التي تقصد لثم الأعتاب العلوية الشريفة والصلاة عند القبة المنيفة لما ورد في الأحاديث الصحيحة في فضل هذه البقعة وقدسيتها وفضل الدفن في تربتها والتختم بحصبائها ومجاورتها وثواب المبيت والصلاة عند المرقد المطهر...وفي ذلك يقول الشاعر الهندي السيّد علي نقي النقوي:


نجف وما أدراك ما نجف

للناس والأملاك معتكف

حرم إذا لاذ الطريد به

يرعاه عن صرف الردى كنف

وحديقة تزهو الورى طرباً

إذ فاح طيباً روضها الأنف

المجد خيم في مرابعه

وعلى فناه طنّب الشرف

وبه الهدى ألقى عصاه فلا

حول له عنه ومنصرف

العلم أودعه الإله به

كمصون درّ ضمه الصدف

ذا شيخنا ا لطوسي شيد به

لربوع شرع المصطفى شرف

فهو الّذي اتخذ (الغري) له

مأوى به العلياء تعتكف

روض سقاه فضل بارئه

بصبيب هاطلة لها وطف

 

 

( ضريح الملك الشيعي صفدر جنك) 


لقد ازدادت الصلة بين النجف والهند وتوثقت منذ قرون وخاصة بعد ظهور الدولة الشيعية في الهند، فقد كان ملوك تلك الدولة يغدقون على المشهد الشريف الهدايا النفيسة ويقومون بزيارة النجف ما اتيح لهم الوقت من اجل ذلك، كما كان رعايا تلك الدولة من الأغنياء يوصون بدفنهم في النجف فكانت ترسل الأجساد للدفن مع صعوبة المواصلات يومذاك. كما اغدق امراء الهند بعطاياهم على اهل العلم من مجاوري النجف وكانوا يصرفون الأموال الطائلة لسفر الشباب المتدين النابه لأجل الدراسة العلمية في النجف، فتكونت في النجف جالية هندية ظهر من بينها الكثير من العلماء والأطباء والتجار والسياسيين وكثير منهم تعرب بعد حين وكان لهذه الجالية مؤسساتها الخاصة، كالمسجد والحمام والمدرسة والمسافر خانه (الفندق) أو كما يُسمى في النجف الآن (خان الهنود) وللجالية مقابرهم الخاصة في بيوتهم أو في وادي السلام.

 


الصفحة 6


 

 

مدرسة الهندي:

من المدارس المعروفة في النجف كانت آهلة بطلبة العلم أسست في حدود سنة 1328هـ، في محلة المشراق وقد أنفق عليها رجل من اهل (لاهور) اسمه ناصر على خان.

 

مسجد الهندي:

وهو من أكبر مساجد النجف (لم يفرغ من العبادة ليلاً ونهاراً وفي اوقات الفرائض تقام فيه جماعتان. وهو معتكف النجفيين ومحل عبادتهم وهو اجل مكان عندهم بعد الحرم العلوي). شيّد أوائل القرن الثالث عشر الهجري، في عهد الشيخ حسين نجف الكبير، ومؤسسة أحد صلحاء الهند وهو المرحوم الحاج خان محمّد، وقد قرر حينه أن لا يضع أول حجر في أساسه إلاّ رجل لم يبت ليلة من الليالي على جنابة ولم يترك صلاة الليل مدة عمره فأحجم الحاضرون وقام هو بنفسه فوضع أول حجر في أساسه. وقد ارخ هذه العمارة السيّد رضا الهندي بهذه الأبيات المكتوبة في أعلى الباب الرئيسي بالحجر القاشاني:

 

للذكر هذا مسجد جامع

فلا تكن فيه من الغافلين

وادخل إليه خاضعاً خاشعاً

عليك ذلك البائس المستكين

واتخذ الواحد(1) عوناً على

طاعته إذ هو نعم المعين

مؤرخاً كبر وهلل وكن

مصلياً واركع مع الراكعين

وقد كانت الأرض التي فيها المسجد والحمام وقيسارية الحاج علي آغا والسوق المتصل بها المقارب للصحن الشريف كلها لعائلة هندية شريفة ثرية تقطن النجف قبل زمن وينتسب إليها ميرزا علي أنور الملقب بالمفل الهندي وكان أحد شهود معركة الخميس الأدبية، وقد توفي في النجف وأرّخ وفاته السيّد صادق الفحام بأبيات مثبتة في ديوانه المخطوط قال فيها:

 

يازائراً خير قبر ضم خير فتىً

له بجنب عليّ أوثق الأمل

قف باكياً واحد التاريخ مجتهداً

وقل لقد أزهر الجنات (نور علي)

____________

1- إشارة إلى إضافة عدد واحد إلى مجموع التاريخ.

 


الصفحة 7


 

وعرف منها أيضاً مير فاضل بن مير نظام الهندي، كانت له أملاك كثيرة في هذه المنطقة وقد باع بعضها وهي (محل قيسارية حاج علي آغا) بعد وفاته للشيخ حسين نجف بحسب وكالته عن بنته العلوية حاني بنت مير نظام وعن أمها المسماة بورا بنت ميرزا علي أنور الهندي على السيّد حسين الرفيعي. ومن أملاكه ساحة المسجد والسوق المتصل بالقيسارية المجاورة للصحن الشريف من جهة القبلة.

وبقي الاسم على هذا السوق إلى عصرنا الحاضر فانّه يعرف بسوق الهنود، وقد ذهب هذا السوق عند إنشاء الشارع المحيط بالصحن الشريف.

وفي يوم 15 شوال 1375هـ اشترى الإمام السيّد محسن الحكيم الدارين المتصلين بمسجد الهندي ووسع المسجد وشيّد مقبرة لاسرته ومحلاً للتدريس وعمر عامة المسجد، وممن أرّخ هذه العمارة الجديدة السيّد موسى بحر العلوم بقوله:


 

حي الالى قد شيّد الدين بهم

للّه زلفى عملوا فأتقنوا

وهذه آثارهم مشهودة

تحسد عين المرء فيها الأذن

فالبيت إبراهيم بانية هدى

أرخ "وباني البيت هذا محسن"

 

1376هـ


وقال السيّد محمّد الحلي:

 

جامع الهندي قد وسعه

حجّة اللّه حكيم الزمن

قل به ما شئت أرخ "او فقل

تلك آيات الحكيم المحسن"

 

1377هـ


نهر الهندية:

من المبرات المهمة التي قام بها ملوك الهند الشيعة ما بعثوه من الأموال الطائلة لحفر النهر المشهور الآن (بنهر الهندية) على نهر الفرات الّذي يبتدىء من المسيب وقد شق من عرض هذا النهر جدول اُجري الماء منه في قناة إلى منخفض النجف وكان ذلك سنة 1208هـ، وجاء تاريخه (صدقة جارية). انّ تلك الأعمال العمرانية أتاحت ظهور أهوار كثيرة في منطقة الفرات الأوسط ومن ذلك

 

 


الصفحة 8


 

هور النجف، وهو الدخن والعوينة وأبو طرفة وهور الكفل وبحيرة يونس وبحر الشنافية حتّى كان الراكب يأتي في سفينة من البصرة إلى النجف، وبهذا الطريق سلك الزوار الهنود الّذي كانوا يقدمون إلى العراق بواسطة السفن إلى خليج البصرة ومنها إلى النجف عبر الفرات. وقد بلغ تقديس الهنود لتربة النجف وكربلاء إلى حد أنهم أصدروا امراً بجلب سفينة كاملة من التراب المقدس نقلوه إلى الهند واسّسوا بذلك مقربة خاصة تعرف اليوم بقبرستان شاه جراغ في مدينة حيدر آباد الدكن.

وكان ظهور نهر الهندية ايذاناً بالانتعاش الزراعي والسكاني للعشائر المحيطة به، فقد نزلت على حافتيه عشائر آل فتلة والعوابد وبني حسن، كما تشكلت بعض المدن كالهندية (طويريج) والكوفة الحديثة التي اطلق عليها أول هذا القرن "شريعة الكوفة" أو "الجسر" كما قامت مدينة الشامية أو "أم البعرور" وكل ذلك بسبب المحاولات الهندية لايصال الماء إلى النجف، فالنجف مدينة بعيدة عن الماء وترتفع كالمسناة أمام السهول المحيطة بها وهناك محاولات اخرى كثيرة قام بها ملوك فارس وغيرهم من اجل إيصال الماء إليها، والمشهور انّ هذا المشروع كان باقتراح السيّد علي الكبير احد أعلام كربلاء على الملك آصف الدولة (احد ملوك دولة أود الشيعة في لكنو Luoknow) وبتشجيع من الإمام السيّد دلدار علي (عالم الهند الكبير)(1).

وكانت القناة التي اجريت إلى النجف قد ردمت فيما بعد ولما رأى الإمام الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر اشتداد الأمر على النجف وتحقق عدم صلاحية الاستقاء من ماء البحر المر جمع المنهدسين وبذل الأموال الطائلة فحفر نهراً من نهر آصف الدولة (نهر الهندية المذكور) وأوصله إلى النجف قاطعاً تلك الرمال والآكام حتّى وصل إلى موضع يقال له "الطبيل" على أربعة أميال من شمال غربي النجف، فوقف العمل لارتفاع الأرض عند الموضع المذكور، فاستعان صاحب الجواهر بملك أورده مرة أخرى ووضعت الترتيبات لايصال الماء بحفر

____________

1- راجع: ماضي النجف وحاضرها، ج1/ ص: 195. ومجلة لغة العرب، الجزء2 من السنة الثامنة، ص: 134 ـ 135.

 


الصفحة 9


 

قناة من ذلك المكان مستوية بعمق بعيد القعر إلى أن يصل إلى أقصى الحفر أولاً وهو مكان يبعد عن سور النجف بضع خطوات وما لبث صاحب الجواهر جاداً في المشروع حتّى توفاه اللّه ثم أكمل بعد ذلك بدعم من السيّد أسد اللّه الرشتي نجل السيّد محمّد باقر المشهور بحجة الإسلام المتوفى سنة 1292هـ، وأجري الماء في شهر رمضان 1288هـ وفي ذلك يقول الشيخ محمّد الجزائري:

 

شربوا الماء زلالاً

بعد شرب الآجانات

فاشرب الماء وأرخ

"إشرب الماء الفرات"

 

1288هـ

 

وقد ذكر السيّد جعفر بحر العلوم في تحفة العالم ما لفظه: "بذل العلامة صاحب الجواهر على كريه ثمانين ألف تومان على نفقة ثريا جاه محمّد أمجد علي شاه الهندي المتوفى يوم 21 صفر 1263هـ وتخلف مكانه ابن السلطان محمّد واجد علي شاه".

قال الشيخ جعفر محبوبة: "وقفتُ على مكتوب مطول أرسله الشيخ(رحمه الله) إلى بعض الأعيان من أهالي الهند تاريخه 1265هـ يحثه فيه على هذا المشروع". وفي الحصون المنيعة للشيخ علي كاشف الغطاء: "ارسل السيّد حسين السيّد دلدار علي اللكنوي إلى الشيخ صاحب الجواهر لكّاً وخمسين ألف روپية لأجل حفر النهر".

ووقع بيدي عدد من الرسائل المخطوطة الموجهة إلى السيّد حسين بن السيّد دلدار علي من قبل علماء العراق في النجف وكربلاء وفيها يحثونه على المساعدات الخيرية في الأمكنة المقدسة وجاء في إحدى هذه الرسائل إشارة إلى طلب المال من أجل اكمال مشروع حفر النهر إلى النجف "لا يخفى على منية نفسي، وحديثي في مجلس انسي أني لم أزل أردد ذكركما في فؤادي، وأنشر حديث فخركما في كل ناد، وكم أحرر رسالة الوداد و أكرر الوكة الإتحاد وأرادف الرسائل واتابع بينها وأواصل وأتالي فيها بالأثر...متفحصاً عن إكمال دراهم النهر..."(1).

ومن اعمال هذا العلامة السيّد حسين بن السيّد دلدار علي انّه بعث خمس

____________

1- أوراق الذهب (مخطوط).

 


الصفحة 10


 

عشرة ألف روپية لبناء مشهدي مسلم بن عقيل وهاني بن عروةعليهما السلام كما ارسل أيضاً إلى السيّد ابراهيم صاحب الضوابط بكربلاء ثلاثين ألف روپية لتذهيب ايوان العباس إلى غير ذلك من الآثار الباقية.

 

سور سامراء وعمارته بالأموال الهندية:

اثر كبير في العراق، اُقيم باموال هندية وهو سور عظيم له اربعة ابواب كبار تكاد تكون متجهة نحو الجهات الاربع المعروفة، ولكل باب من هذه الأبواب اسم يعرف به وقوم من اقوامها يخرجون منه ويدخلونه، اولها باب الناصرية وبعضهم يسميه "الحاوي"، وباب الملطوش، وباب القاطون، وباب البوباز وأبو عظيم.

وقد عمر هذا السور العظيم احد اعيان الشيعة من الهنود وصرف على نفقاته الكثير من الأموال بهمة الميرزا المجدّد الإمام السيّد محمّد حسن الشيرازي (1235 ـ 1312هـ) وكان من كبار العلماء الأفذاذ، هاجر إلى النجف سنة 1351هـ وقام فيها مدرساً حتّى انتهت إليه رئاسة الإمامية وهاجر من النجف إلى سامراء شيّد هذا السور ولا غير ذلك من المبرات في سامراء كأندية العلم وخانات الزائرين والغرباء والمساجد...الخ.

ووقف على عمل السور المذكور الميرزا زين العابدين السلماسي في حدود سنة 1250هـ /1834م، والسيّد ابراهيم باقر الموسوي القزويني الحائري صاحب ضوابط الأصول المتوفى بكربلاء بعد سنة 1260هـ.

 

خيرية أوده:

اشتهر هذا المصطلح كثيراً في النجف خلال القرنين الأخيرين وقد يعبر عنه في بعض الأدبيات بلفظة (فلوس الهند) أو دراهم الهند...الخ والمقصود به الأموال التي كانت ترسل من مملكة اود الشيعية ومقرها لكنو Luoknow إلى النجف وكربلاء.

وقد بدأت قصة هذا الوقف ـ أو (الخيرية) كما كان يطلق عليه لدى النجفيين ـ حين قدم غازي الدين حيدر ملك أود قرضاً لحكومة الهند البريطانية سنة 1825هـ قيمته عشرة ملايين روپية، واتفق الجانبان على ابقاء أصل القرض دون تسديد بشكل دائم، على أن تدفع حكومة الهند فائدة مستمرة للأبد مقدارها

 

 


الصفحة 11


 

خمسون بالمائة سنوياً. توقف لأغراض خيرية وتكون الحكومة وصية على انفاقها وضمنت تلك الشروط في اتفاقية أمضاها الجانبان في 17/8/1825م ومددت الأغراض الخيرية للوقف بتوزيع هبات مالية على الفقراء في مدينتي النجف وكربلاء عن طريق عدد من المجتهدين المقيمين في هاتين المدينتين والّذين تختارهم السلطات البريطانية باعتبارها الوصية على الوقف، ومنذ ابتدىء بتوزيع تلك الهبات في تلك المدينتين سنة 1949م مرت الطريقة المتبعة في التوزيع بتطورات عدة كما إنّها سبّبت انتشار أشياء في سوء التوزيع وشكاوى متواصلة ضد المجتهدين الموزعين وقد كانت عائدات الوقف السنوية البالغة ثمانية آلاف جنيه استرليني تقسم إلى نصفين متساويين تدفعها السلطات البريطانية إلى مَن تثق بهم في النجف وكربلاء وكان أول مَن وزعها في النجف الشيخ محمّد حسن الاصفهاني صاحب الجواهر (المتوفى سنة 1266هـ) وبعد وفاته رفض الشيخ مرتضى الأنصاري استلامها أو توزيعها ورفض الكثير من العلماء زهداً وورعاً وخوفاً من الهيمنة الأجنبية التي يسعى إليها الانگليز.

واشتهر من موزعي تلك الأموال في النجف السيّد علي بحر العلوم منذ سنة 1275هـ وبعد وفاته حلّ مكانه السيّد محمّد بن محمّد تقي بن رضا بحر العلوم، كما ذكره السيّد الأمين في الأعيان (ج9/ص: 408)وقال: "...وكانت بيده حصة النجف من دراهم الهند (المعروفة بفلوس الهند) وربما أثرت هذه في مقامه عند الناس بحسب رتبته العلمية السامية وبقيت في يده مدة طويلة ثم وزعت من قبل الأنگليز بأيدي مجتهدي النجف فقبلها قوم ورفضها آخرون فبقي بيده مثل ما بيد أحدهم".

وممّن رفض توزيع تلك الأموال الشيخ محمّد طه نجف المتوفى سنة 1320هـ، والسيّد حسين بن رضا بن مهدي بحر العلوم(1)، وكان الكثير من طلبة العلم يؤثرون الجوع بدلاً من استلام تلك الدراهم ومنهم السيّد محسن الأمين نفسه(2). وقد كان التلاعب في تلك الدراهم كثيراً فأثرى الكثير بواسطتها وإلى هذا

____________

1- السيّد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج6/ ص: 18.

2- السيّد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج10/ ص: 354.

 


الصفحة 12


 

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية